جيرار جهامي ، سميح دغيم

659

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

اللغة من كلمتين هما « ثيو » أي الإله و « سوفي » أي الحكمة . ومعنى التصوّف إذن مقابل لمعنى الحكمة العقلية وهي الفلسفة ، لأن الصوفي يطلب الحكمة من طريق الدين ، وربما كانت المقاربة في اللفظ أقوى سند يعتمد عليه القائلون إلى استعارته من اللغة اليونانية . ( العقاد ، التفكير فريضة إسلامية ، 135 ، 4 ) . * في الفكر النقدي - إن التصوّف ، في مقصده النهائي والأعمق ، يمثّل ، أوّلا ، التجربة المعاشة نتيجة اللقاء الحميمي والتوحيدي بين المؤمن والإله الشخصي ( أي اللانهائي والمطلق المرتبط بالألوهة بالنسبة لمجمل الأديان ) . وهذه التجربة محلّلة وموضّحة بواسطة محاسبة الضمير وعودة الصوفي على ذاته . والتجربة التي تحظى بالتأمّل على هذا النحو ( بالمعنى الحرفي لكلمة تأمّل ) ، ثم توضح كتابة تغذّي المريد الذي ينخرط في السلوك الصوفي تحت إمرة شيخ ما . ( أركون ، الفكر الإسلامي ، نقد واجتهاد ، 157 ، 16 ) . - إن التصوّف « قضية » في الفكر العربي الإسلامي ، بل وحتى في الفكر العربي الحديث . ومن ثمّة فهي تستحقّ كل جهد بعد أن طغت زمانا طويلا على العقول والسلوك ، واحتلّت مكانا لم يحتلّه غيرها في الذات العربية . لعلّ محاولة أن نعيد التصوّف إلى نسق تعبّدي جاهلي ، أو نظام نذري وتضحوي ، ليست تعسّفية ، ولا تقوم على أفكار مسبقة . لقد طبّقنا مناهج هي عالمية ، وهي ذات باع طويل في ارتياد اللاوعي البشري ، وفي استكناه البنى الدينية في مجتمع محدّد . فمن هذه الوجهة الأخيرة ، توصّلنا إلى أن ظاهرة التصوّف هي ظاهرة مكوّنة من بنية دينية قديمة ذات عناصر جاهلية هي : التضحية ، الفداء ، الهدي للكعبة ، الفناء عن الذات ، وما حول ذلك مما يقوم على التقرّب من اللّه استجلابا وتكفيرا وتطهّرا ونذرا . . . بعض تلك العناصر ، في تلك البنية المنتظمة والمتماسكة ، أصابه بمجيء الإسلام تغيّر وتعديل ، أو أنه حمل وظائف أخرى . وهكذا غطّى الإسلام بعض تلك العناصر ، وتمثّل بعضها الآخر . لكن الشكل العام لم يتغيّر بمقدار ملحوظ . لقد بقيت الكعبة ، مع الإسلام ، رمزا أول للعلاقة مع اللّه ، ومنظّما أساسيّا لسيرورات وطقوس التعبّد الهامّة . وبقيت ، مع هذا العنصر الأساسي ، مكوّنات أخرى مثل التضحية عند الكعبة ، والهدي ، والفدى ، وتقديم الضحية قربانا للّه ونذرا . . . وفي أقصى نقطة لهذه الشعائر ( هدي ، فدى ، ذبح . . . ) استمرّ موجودا هدى الذات ، والفداء بالنفس عينها . ( علي زيعور ، العقلية الصوفية ، 74 ، 31 ) . - يبدو ، اليوم ، أن التصوّف أخذ يتّجه ، بحكم أوضاع المجتمع والتحدّيات الحضارية والانفتاح على حضارات العالم ، صوب الواقعي . وهكذا فعلى « الصوفي » أن يعمل ، في أي قطاع ، وينخرط في المجتمع والعياني والمادي . فيقبل الدنيا ويسعى لأن يكون إيجابيّا ، بنّاء ، مثمرا . فالوجه الصوفي النابذ للعالم لا بدّ أن يضعف ، ليتعزّز الوجه الذي